فساد النظام القضائي
تكاد لا تجد الصورة القاتمة للفساد القضائي ما يجسّدها أكثر من قضاء الملاحقة في لبنان، سيّما دوائر قضاة التحقيق الأول فيما يتعلّق بحقوق المودعين، رغم تصدّي عدد من قضاة التحقيق لملفات كبرى تهم المجتمع بنزاهة وجرأة أريد لهم أن يبقوا خارج مساحات القرارات المهمة الممهورة بطابع دولة الفساد العميقة، حيث لم يعد يجدي الخوض في التفاصيل والإجراءات في ضوء القرار المريب بنحر للعدالة عنوة وعلى مرأى "هيئة التفتيش القضائي" و"مجلس القضاء الأعلى" و"وزارة العدل"، مع الاحتفاظ بهامش لها لكن لذرف الدموع على عدالة تبكي في زوايا العدلية، ليس إلا!
اليوم، ٢٩ حزيران ٢٠٢٦، فصل آخر من استمرار المخالفات الجسيمة للقانون وضرب أصول التقاضي بعرض الحائط، ما دفع بمحامي تحالف متحدون للتقدّم بطلب عرض تنحّي قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر، ولمقاطعة جلسة محاكمة المدّعى عليهم أمامها في شكواهم ضد الحاكم الأسبق لمصرف لبنان رياض سلامة ورئيسة لجنة الرقابة على المصارف ميه دباغ ومصرف سوستيه جنرال (SGBL) وصاحبه أنطون الصحناوي وشركتي مكتّف (Mecattaf) وبرايس ووتر هاوس كوبرز (PwC) وآخرين، بجرم تهريب أموال المودعين وتبييضها.
لم يعد والحال هذه البحث في التفاصيل ذا جدوى، بعد ردّ القاضية الأسمر طلب عرض تنحّيها في ضوء الاستمرار المريب للتجاوزات القانونية الجسيمة، رغم الباب المفتوح على دعاوى الرد والنقل – غير المحبّبة – سيّما لجهة مخالفة مبدأ الوجاهية في إجراءات التبليغ وضرب حقّي التقاضي والدفاع واختلاق أعذار واهية بهذا الخصوص مرة بعد مرة، كما والتمادي في التمنّع عن اتخاذ تدابير نصّ عليها القانون بوضوح أبرزها إصدار مذكرات توقيف بحق المدّعى عليهم المتغيّبين مراراً عن الجلسات المخصصة قانوناً لاستجوابهم بعدما ردّت محكمة التمييز الجزائية، مراراً أيضاً، كافة دفوعهم الشكلية، كما وتقرير وضع إشارات تمنع تصرّفهم بأموالهم – أموال المودعين – المنقولة وغير المنقولة، وغير ذلك.
وتستمرّ والحال هذه مسرحيات القضاء التراجيدية التي تفضي إلى إجراءات شكلية خالية من المضمون، في وقت تشتد الأزمة المالية التي تُعالج الشكوى الحالية جرائمها الفاحشة وأضرارها الجسيمة على حقوق المودعين، المتمادية والمتفاقمة، بانتظار أن يعوا أكثر مآل هضم هذه الحقوق ويهبّوا لتحرير ودائعهم بالقوة من خلال الضغط اللازم وبالقانون.
الأكثر قراءة

