فساد النظام القضائي
عود على بدء، وكأنه مكتوب على النائب العام لدى محكمة التمييز، هذه المرة القاضي أحمد رامي الحاج، المرور الإلزامي بملاحقة مؤسس تحالف "متحدون ضد الفساد" المحامي رامي علّيق تعسّفاً، بعدما أملِي على مجلس "نقابة المحامين في بيروت" إزهاق حصانته القانونية ظلماً، لا لشيء سوى استشراس علّيق في دفاعه، وبالقانون، عن حقوق المظلومين من لبنانيين ومودعين؛ لا لشيء سوى أنه "يريد وطناً خالياً من الفساد"، وهم يعلمون خير العلم بأن هذه هي تهمته الوحيدة وبأن جريمته أنه "لبناني" بكل نقاء!
ترى لماذا هذا الخوف من علّيق؟ لماذا استُنفروا لملاحقته، بعد تبادل الأدوار في التنكيل به ككاشف ومكافح صلبٍ للفساد، عبر مكتب المباحث المركزية هذه المرة أيضاً؟ لماذا لم ترق لهم دعوته المودعين للاعتصام أمام عدلية بعبدا احتجاجاً على الظلم الذي يتعرّضون له إبان الجلسة المخصصة أساساً لاستجواب رياض سلامة ورفاقه، فأتوا بجحافل الأمن والعسكر بينما البلاد في حرب طاحنة؟ لماذا لم يستسيغوا حضوره إطلاق مبادرة "نحو الجنوب من أجل لبنان" التي دعت من نقابة الصحافة إلى مسيرة من كل لبنان إلى آخر شبر من أرض الجنوب وتحت راية العلم اللبناني فقط، بعد غياب له استمر لأكثر من عام بسبب الأعطاب الصحيّة التي تسبّبوا له بها من قبل؟
لماذا استشاطوا غضباً بعد تمكّنه وفريق عمل تحالف متحدون وبكل مهنيّة وإصرار وتظلّم لدى هيئة التفتيش القضائي – لعل أكثر الشكاوى الوازنة العالقة أمامها هي من علّيق ورفاقه – ومجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل ورئاستي الجمهورية والحكومة، من اقتفاء أثر كل ملفات الدعاوى التي تلاعبوا بها وزوّروا محاضرها حدّ الإخفاء بالكامل، فسقط غيّهم ورشاويهم وضغوطهم أمام ثبات علّيق وفريق عمله وعادت تلك الدعاوى إلى سكّة العدالة الصحيحة، ولو بصعوبة؟
لماذا هالهم أن تصدّى قضاة نزيهون أمناء على مطرقة العدالة بأيديهم لقضايا علّيق ورفاقه "الكبرى التي تهمّ المجتمع" وفق توصيف نقابة المحامين، استدعوا كبار الفاسدين إلى جلسات الاستجواب والمحاكمات النزيهة، فيما كان اطمأنّ الجناة لاستحواذهم على معظم "قضاء الملاحقة" بعد التشكيلات القضائية الأخيرة التي اشتروا بها ضمائر قضاة كثر جعلتهم يتمرّدون على قرارات أعلى مراجع قضائية في الجمهورية اللبنانية، من الهيئة الاتهامية إلى محكمة التمييز وهيئتها العامة؟
لماذا أعماهم تصدّي علّيق لقضاة التحقيق الأوائل في بيروت وجبل لبنان والشمال والبقاع والمحقق العدلي في قضايا المودعين والنفايات وانفجار المرفأ وسواها، بعدما قامت الهيئة الاتهامية في بيروت بفسخ قرارات القاضي بلال حلاوي وردّت محكمة التمييز الجزائية طعون سلامة ورفاقه المتلطّين وراء المصارف وشركات الظل Forry و Optimum Invest وسواها من شركاء مغمورين كـ LIBANK وOMT-WesternUnion وغيرها، كما ردّت هيئات اتهامية أخرى وغرف محكمة التمييز طعون جهاد العرب وشركته "الجهاد للتجارة والتعهدات" (JCC) ونبيل الجسر ومجلس الإنماء والإعمار (CDR) وآخرين؟
لماذا بقي ملف الشكوى الأولى الموثقة ضد سلامة وشقيقه رجا ومساعدته ماريان الحويك قابعاً في درج القاضية رولا عثمان رغم المراجعات الحثيثة والمتكررة بعد حوالي الشهر على صدور قرار الهيئة الاتهامية، فيما تعقد جلسات في ملف متلازم مع إقصاء الجهة المدّعية صاحبة الصفة أصولاً، وفيما ينكبّ القاضي رامي الحاج على "استجواب" سلامة بالشكل الذي يطرح علامات استفهام كبرى سيّما في ضوء إقصاء من يمثّلون الحرص على حقوق المودعين المظلومين في كل هذا بأمانة، وقلقهم من استمرار "المسرحيات القضائية" بعد كل ما رأوه؟
لماذا اشتروا الإعلام، معظمه إن لم يكن كله، فخرست الأقلام والأصوات والشاشات عن ذكر أي خبر عن كل هذا، الذي يتعدّى السرقة والنهب إلى دمار بلد وانهيار حياة شعبه وتولّي عتاة الفساد حماية مرتكبيه، مختبئين وراء حرب شعواء وموت ودماء، لم يكن اللبنانيون ليُقحَموا فيها أساساً لولا أن حوّلوا البلد إلى مغارة لصوص ثم تاجروا به وبأهله مقابل كراسيهم ومسروقاتهم؟
لماذا الابتعاد عن أصول التقاضي المعمول بها والاستعاضة عنها بإجراءات بوليسية تسيء إلى القضاء؟ لماذا الكثير والكثير، الذي لا يحتاج إلى أي أسئلة بعد كل ما حصل؟
لماذا أيها القاضي؟ ألم يحن الوقت، رغم كل هذا، للنزاهة والعدل والإنصاف بدلاً من أن يقتات الجلادون أكثر من ورائكم على المعاناة والانقسام وبؤس وعذابات الشعب اللبناني الذي تحكمون باسمه؟
الأكثر قراءة

