حين تصمت الدولة وتتكلّم الدفاتر: ماذا تقول موازنة 2026 عن لبنان؟

أحمد ستيتة, طرابلس
11-01-2026

حين تصمت الدولة وتتكلّم الدفاتر: ماذا تقول موازنة 2026 عن لبنان؟

ملفات أخرى

الحلقة الأولى

مقدمة

تأتي موازنة العام 2026 في لحظة لبنانية شديدة الحساسية: دولة فقدت وظائفها السيادية والاقتصادية والاجتماعية، مجتمع يعيش على اقتصاد التحويلات والمساعدات، وسلطة أعادت إنتاج نفسها بعد الانهيار من دون أن تعيد إنتاج الدولة. من هنا لا يجوز التعامل مع الموازنة كوثيقة أرقام، بل كوثيقة سياسية بامتياز، لأنها تعكس طبيعة السلطة، ونموذج الدولة، ونوعية العقد الاجتماعي القائم أو الغائب.

عنوان الوثيقة «موازنة العام 2026: الأساسيات مؤمّنة، ولكن الإصلاحات البنيوية لا تزال غائبة» لا يصف فقط مضمون الموازنة، بل يصف بدقة مرحلة كاملة من تاريخ لبنان: مرحلة إدارة الانهيار بدل الخروج منه.

أولًا: من موازنة الدولة إلى موازنة الإدارة

جوهر موازنة 2026 أنها ليست موازنة دولة، بل موازنة جهاز إداري يعيش على الحد الأدنى. فهي لا تبني اقتصادًا، ولا تعيد تشكيل القطاع العام، ولا تطلق أي مشروع وطني جامع، بل تؤمّن ثلاث وظائف فقط:

- دفع الرواتب وتعويض الانهيار الجزئي لموظفي الدولة
- ضبط الإنفاق بما يمنع انفجارًا نقديًا جديدًا
- تعظيم الجباية حيثما أمكن

بهذا المعنى، نحن أمام انتقال خطير من دولة لها سياسات عامة إلى إدارة تبحث عن الاستمرار البيولوجي. الدولة لم تعد فاعلًا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا ولا سياديًا، بل جهاز تحصيل وإنفاق جارٍ. هذه ليست مرحلة مؤقتة، بل مرشّحة لأن تتحوّل إلى نموذج دائم إن لم تُكسر سياسيًا وفكريًا.

الخطر هنا ليس في حجم الموازنة، بل في فلسفتها: دولة بلا مشروع.

ثانيًا: تصفير العجز أم تصفير السياسة؟

تقدَّم الموازنة بوصفها موازنة “عجز صفري”. ظاهريًا هذا إنجاز مالي، لكنه سياسيًا مؤشر على انكفاء الدولة عن أي دور تحويلي. تصفير العجز في بلد خرج من حرب مالية واجتماعية لا يكون فضيلة بحد ذاته، بل قد يكون شكلًا من أشكال تثبيت الخراب.

الدول الخارجة من الانهيارات لا توازن دفاترها أولًا، بل تعيد تعريف وظائفها: ماذا تنتج؟ من تحمي؟ كيف توزّع الخسائر؟ كيف تعيد بناء الثقة؟ أما في الحالة اللبنانية، فالتوازن المالي يجري قبل أي حسم لهذه الأسئلة، وكأنه بديل عنها.

بهذا المعنى، العجز لم يُصفَّر فقط في الأرقام، بل صُفِّرت معه السياسة العامة، وتحولت الموازنة إلى تمرين محاسبي بدل أن تكون أداة سيادية.

ثالثًا: موازنة بلا مجتمع

أخطر ما في موازنة 2026 أنها لا ترى المجتمع إلا كمصدر إيرادات أو كلفة رواتب. لا مقاربة متكاملة للفقر، لا سياسة صحية وقائية، لا رؤية تعليمية، لا مشروع سكن، لا إعادة تعريف لدور الدولة الاجتماعي.

هذا الفراغ ليس تقنيًا بل بنيوي. حين تنسحب الدولة من وظائفها الاجتماعية، لا يبقى المجتمع بلا إدارة، بل يُعاد تنظيمه عبر شبكات ما دون الدولة: طائفية، حزبية، زبائنية، خارجية. وهنا تكمن الصلة العميقة بين الموازنة والسؤال السيادي: ضعف الدولة الاجتماعي هو بالضبط ما يسمح باستمرار البنى الموازية التي تنازعها الولاء والوظيفة والشرعية.

من هنا، أي حديث عن السيادة أو السلاح أو القرار الوطني لا معنى له بلا دولة اجتماعية. وموازنة لا تعيد بناء الدولة الاجتماعية ليست موازنة استقرار، بل موازنة إعادة إنتاج التفكك.

رابعًا: الجباية بدل العدالة

ترفع الموازنة الإيرادات بشكل كبير، لكنها تفعل ذلك أساسًا عبر أدوات سهلة سياسيًا: ضرائب غير مباشرة، رسوم، جمارك، ضرائب استهلاك. أي عبر تحميل الكلفة للفئات الأضعف والأكثر التزامًا، لا للفئات الريعية والاحتكارية والمتهرّبة.

هنا يتأكد أن المشكلة في لبنان ليست نقص أدوات بل غياب قرار. فإصلاح ضريبي عادل ليس مسألة تقنية بل صدام مباشر مع منظومة المصالح التي قامت عليها الجمهورية منذ الاستقلال: ريع، احتكار، حماية سياسية للتهرب، وقدسية غير معلنة لرؤوس الأموال الكبيرة.

الموازنة، بصيغتها الحالية، تختار السلامة مع هذه المنظومة على حساب بناء عقد اجتماعي جديد. وهذا خيار سياسي واضح، حتى لو قُدّم بلغة مالية.

خامسًا: غياب الاقتصاد كخيار واعٍ

اللافت أن الموازنة تكاد تخلو من أي تصور اقتصادي. لا حديث جدي عن إنتاج، ولا عن قطاعات أولوية، ولا عن إعادة تركيب العلاقة بين الدولة والسوق، ولا عن استعادة الوظيفة التنموية للإنفاق العام.

وهذا الغياب ليس نسيانًا، بل انعكاس لتحوّل لبنان إلى اقتصاد بلا دولة: تحويلات، مساعدات، استهلاك محدود، قطاع خاص بلا إطار وطني. الموازنة هنا لا تقود الاقتصاد، بل تتكيّف مع اقتصاده المفكك.

وهنا مكمن الخطورة الاستراتيجية: حين تتخلى الدولة عن صياغة النموذج الاقتصادي، تنتقل هذه المهمة تلقائيًا إلى الخارج أو إلى القوى الأكثر تنظيمًا داخل المجتمع. أي إلى من يملك المال أو السلاح أو الشبكات.

سادسًا: الموازنة كسؤال تأسيسي

موازنة 2026 لا ينبغي أن تُناقش فقط في البرلمان، بل في الفضاء الفكري والسياسي العام، لأنها تطرح عمليًا ثلاثة أسئلة تأسيسية:

هل نريد دولة حدّها الأدنى هو منع الانفجار فقط؟
هل نريد استقرارًا ماليًا بلا عدالة وبلا إنتاج وبلا سيادة؟
وهل نقبل أن تتحول الموازنة إلى أداة إدارة انهيار دائم بدل أن تكون أداة خروج منه؟

هذه الأسئلة لا تُحسم بالأرقام بل بالصراع السياسي والفكري. ومن هنا، فإن أي مشروع تغييري حقيقي في لبنان لا يمكن أن يبدأ بشعارات عامة، بل يجب أن يبدأ من معركة الموازنة: معناها، وظيفتها، بنيتها، ومن تخدم.

خاتمة: من نقد الموازنة إلى نقد الدولة

موازنة 2026 ليست فاشلة لأنها ضعيفة، بل لأنها منسجمة تمامًا مع الدولة التي أنتجتها: دولة بلا رؤية، بلا مشروع، بلا جرأة على مواجهة بنيتها العميقة.

إنها موازنة مرحلة “ما بعد الانهيار”، لا مرحلة “الخروج من الانهيار”.

ومن هنا، فإن نقد هذه الموازنة لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى نقد جذري لنموذج الدولة نفسه:
- دولة الجباية بدل دولة الرعاية
- دولة الإدارة بدل دولة القرار
- دولة التوازنات بدل دولة الخيارات

والسؤال الذي يجب أن يُطرح على النخب ليس: كيف نُحسّن هذه الموازنة؟
بل: أي دولة نريد كي تصبح أي موازنة ممكنة؟

أحمد ستيتة, طرابلس

هل لديك أي استفسار قانوني؟
اضغط هنا للتواصل مع فريقنا القانوني

يسعدنا تقديم الدعم القانوني للمواطنين في لبنان والخارج. الرجاء ملء استفسارك القانوني أدناه.