ملفات أخرى
من إنسان جذوره في نسل أبينا إبراهيم، مَن تجسّدت دعوته فيه ثورة على الظلم في وطنه لبنان الذي آمن به وبشعبه. آمن بأن بلده هو فعلاً حريّ بوطن الإنسان والحياة، وليس بأرض للقتل والدمار.
من لبناني نما في رحم الحرب التي دارت رحاها فوق حياة الأهل والأصحاب ظلماً وبطشاً وخوّاتٍ وسرقات، ليس على يد عدوّ مفترَض بل على يد إخوة في الوطن ضلّوا الطريق وباتوا من الظالمين.
لم يكن ليسود كل الظلم ويكبر لولا أن أذعن كل المذعنين، فحلّت المكافأة محلّ الحساب، وارتدى الجائرون زيّ اللصوص بأناقة تحجب أرواحاً مشبعة بالشر، تعيث في الأرض فساداً واستضعافاً للناس وتنكيلاً بهم ونهباً لأرزاقهم ومواردهم، اتّخذت من هياكل الثروة ومصارف النفوذ أوكاراً لشرّها وفسادها وإرهابها، فأحكمت سيطرتها على أوطان أرادتها ملاذات آمنة لإجرامها ومجرميها في كل العالم.
أتيت لأقول "لا" لوباء الفساد القاتل، الذي أصاب لبنان فيروز، ومسخ حكّامه قراصنة لسفينة أضحت تُبحر من دون قبطان، إلى طريق الركام بشعب مضطهَد منكسر ذليل في أرجاء الأرض، شعبٍ مختارٍ مذهولٍ احترف القلق وضلّ الطريق.
شعبٍ، العالم كله يتفرج عليه، يُقصف بالبارود ويُقتل ويُهجّر، على يد نظام عالمي مزعوم تعجُّ به قوى الشر، كشفت عورته فضائح أخفت عبثاً مريباً بمصير العالم وأطفاله، يتذرّع بخطايا "حزب الرب" كي ينقضّ على العالمين، فيما أضلّ الحزب الطريق بعد أن كان أصاب الهدف. كيف لا وقد سوّلت للأمناء عليه أنفسهم بأن الله يُطاع من حيث يُعصى، وأن ما بني على فساد وإفساد ليس بباطل، وأن كرامة الإنسان ليست بأهمّ من هيكل الكعبة وهيكل المسجد الأقصى، فمضى "الحزب الضّال" إلى حيث العزّة لا تكون.
وعلى الضفّة الأخرى حيث هيكل سليمان ضلال لا يعلوه ضلال، تكلّل بدعوة صهيونية هنا أو ماسونية هناك، كان ضاق به صدر موسى. ثم صدر يسوع ومحمد، من أبناء إبراهيم اسحق ويعقوب وإسماعيل. فلا رفعة لإنسان على حساب حياة إنسان غيره، ولا قدسية لهيكل يعلو فوق جماجم إخوة لأب واحد. إنه الضلال المبين والشر اليقين.
بيتي هو رحم الشعب المختار أساساً، في بلدي المنكوب وشعبي المقهور العاجز. أتيت أدعو إلى خلع الأقنعة، كل الأقنعة، إلى العودة إلى الذات والتصالح معها، إلى سلام الله الذي لا نبقى معه شعباً شريداً مسلوباً ثروته يظلّ ينزف حتى الموت. سلام إبراهيم حيث لا نفوس حبلى بكراهية وأحقاد وعنف وشر مستطير حفّار للقبور.
لقد انحرف العالم عندما رضينا بالظلم حيناً قد جرّ علينا الهوان دهراً، فحق علينا القول وغضب السماء. وليس أمامنا إلّا أن نصحو فنكون نور العالم وخلاصه المتجذر في تاريخ لبنان وفي ثقافة أجداد بني إسرائيل العريقة الحاضرة في شعبه، تتجلّى اليوم من جديد حين يقف العالم على مفترق طرق: طريق إبراهيمي مزعوم لسلام ليس في حقيقته سلام الله، فالله ليس حيث يُقتل الإنسان؛ وطريق حق يستنير به حفدة اسحق ويعقوب وإسماعيل فيجمعهم بعد فرقة ويأخذهم والعالم إلى حيث سلام إبراهيم.
ثورة المظلومين تدّق باب كل مظلوم حتى ينتفض، وكل ضالٍّ حتى يهتدي.
تسري في روح لبنان الأزل وتنبض بها كرامة شعبه المهدورة، وتنتظر يقظة عسى آن أوانها.
هذا هو طريقنا، متحدين، إن أردنا العبور بحق.
الأكثر قراءة

